أبي منصور الماتريدي

193

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعن بعضهم « 1 » : أمانان أنزلهما الله ؛ أما أحدهما : فمضى ، وهو نبي الله ، وأمّا الآخر : فأبقاه الله - تعالى - بين أظهركم ، وهو الاستغفار والتوبة . وفي إثبات قول السفهاء ودعائهم بإمطار الحجارة عليهم ، وجعل ذلك كتابا يتلى عليهم في الصلوات - أوجه ثلاثة من الحكمة : أحدها : تعريف لهذه الأمة المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أنهم إذا « 2 » تمادوا في غيهم واستقبلوه بالمكروه والأذى ألا يترك الأمر لهم بالمعروف ، ولا يؤيس من خيرهم اقتداء بالنبي أنه لم يترك دعاءهم ، وأمرهم بالمعروف مع شدة سفههم وتمردهم . والثاني : ليعلم الخلق أن حجة الله تلزم العباد وإن كانوا قد جهلوه ، إذا كان التضييع جاء من قبلهم في ترك النظر والتفكر ؛ إذ لو علموا حقيقة العلم أنه الحق ، لم يكونوا ليدعوا على أنفسهم بالهلاك . والثالث : يكون فيه بيان . وقوله - عزّ وجل - : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . أي : ما لهم من عذر في صرف العذاب عن أنفسهم ؛ إذ قد كان منهم من أنواع ما كان لو كان واحد من ذلك لكانوا يستوجبون العذاب ؛ من تكذيبهم الرسول والآيات التي أرسلها إليهم ، وصدهم الناس عن المسجد الحرام ، وهو مكان العبادة ، وسؤالهم بقولهم : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ، أي : ليس لهم عذر في صرف العذاب عن أنفسهم ، والاحتجاج على الله أنه لم يرسل رسولا بقولهم : لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا . . . الآية [ طه : 134 ] ؛ بل أرسل إليهم الرسول ، فكذبوه ، وبعث إليهم الآيات فكذبوها ، وصدّوا الناس عن المسجد الحرام ، فلا عذر لهم في وجه من الوجوه أن يصرف العذاب [ عنهم ] « 3 » ، إلا أن الله بفضله ورحمته يصرف العذاب عنهم ببركة النبي صلى اللّه عليه وسلم واستغفار المؤمنين ، وإلا قد كان منهم جميع أسباب العذاب التي يستوجبونه بها .

--> - وأيضا ( 3 / 149 ) باب القول في السجود في صلاة الكسوف ، وأحمد ( 2 / 159 ) ، والحاكم ( 1 / 329 ) وصححه من حديث عبد الله بن عمرو . ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 234 ) ( 16017 ) عن أبي موسى الأشعري ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 330 ) وزاد نسبته لأبي الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري . ( 2 ) في أ : إنما . ( 3 ) سقط في أ .